يكتب أحمد عبد الحليم هذه المقابلة مع الصحفي والناشط والأكاديمي المصري حسام الحملاوي في الذكرى الخامسة عشرة لثورة 25 يناير، في لحظة تاريخية ملتبسة يغلب عليها الإرهاق أكثر من الحنين. لا يطرح النص سؤال “ماذا حدث؟” فقط، بل يلحّ على سؤال أعمق: “ماذا تبقّى؟”، في ظل مسار طويل من التفكك وإعادة التشكل والانهيار التراكمي على مستوى السياسة والمجتمع والخيال الجمعي.

 

يوضح النص الذي نشرته منصة نون بوست، التي نشرت الحوار ضمن قسم المقابلات، في محاولة لفهم مصير المجال العام المصري، وأشكال الفعل السياسي والاجتماعي بعد سنوات من القمع وإغلاق المجال العام.

 

مشهد سياسي مفرّغ من مضمونه

 

يرى الحملاوي أن معظم القوى السياسية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، تراجعت أو انهارت بالكامل. استهدف مسار الثورة المضادة بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي تفكيك المجال السياسي نفسه، فبدأ بالإسلاميين، ثم امتد إلى القوى المدنية، مثل حركة 6 أبريل وأحزاب اليسار. مع نهاية الولاية الأولى للسيسي في 2018، سحق النظام أغلب هذه التشكيلات.

 

رغم ذلك، شهدت الفترة بين 2020 و2022 أزمات متلاحقة، من الجائحة إلى الحرب في أوكرانيا والأزمة الاقتصادية وتراجع الدعم الخليجي، ما فتح هوامش ضيقة لتحركات سياسية محدودة. تزامن هذا مع تراجع شعبية السيسي بعد سنوات من الوعود والرهان على “الاستقرار”. في هذا السياق ظهرت مبادرات مثل تحالف الأمل، ومحاولة أحمد طنطاوي، وبعض التحركات الناصرية.

 

لكن الحملاوي يؤكد أن هذه الجهود بقيت ضعيفة، وقواعدها الاجتماعية تآكلت. يشير مع ذلك إلى أن فوز خالد البلشي في نقابة الصحفيين، وبعض التحركات في نقابة المهندسين، وإضرابات المحامين، تعكس بقاء نبض اجتماعي محدود، يختلف عن حالة الجمود الكامل في 2018.

 

الحركة العمالية بين القمع وإعادة التشكل

 

يضع الحملاوي الحركة العمالية في سياق تاريخي طويل. منذ عهد عبد الناصر، خضعت النقابات لسيطرة الدولة عبر الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، الذي لعب دور أداة ضبط وحشد لا تمثيل. رغم ذلك، اخترقت أصوات مستقلة بعض اللجان القاعدية، وبرزت بين 2006 و2011 موجات إضرابات عمالية عفوية قادها العمال أنفسهم، وأسهمت في تأسيس أول نقابة مستقلة عام 2008.

 

بعد ثورة 2011، توسعت هذه التجربة، لكن سرعان ما ظهرت مشكلات داخلية تتعلق بالبيروقراطية وضعف التنسيق، وتجلّى ذلك في فشل الإضراب العام في فبراير 2012. عقب انقلاب 2013، سحق النظام النقابات المستقلة والرسمية معًا، واعتقل القيادات أو أجبرها على التقاعد، وفرض قوانين جعلت العمل النقابي شبه مستحيل.

 

في السنوات الأخيرة، يلاحظ الحملاوي عودة خجولة لبعض أشكال التنظيم، مدفوعة بأدوات جديدة مثل مجموعات واتساب، وظهور قيادات شابة تفتقر غالبًا للخبرة. تتركز هذه التحركات على الدفاع عن الأجور والوظائف، لا على بناء استراتيجية عمالية شاملة، لكنها تظل مؤشرًا على إمكانية تراكم مستقبلي.

 

الذاكرة والشباب ومعنى الثورة اليوم

 

ينتقل الحوار إلى تحوّل النشاط السياسي نحو الإعلام الرقمي والعمل الحقوقي. يوضح الحملاوي أن حركة حقوق الإنسان في مصر نشأت جزئيًا من رحم اليسار بعد انهيار الشيوعية، ولعبت مؤسسات مثل مركز النديم والمبادرة المصرية دورًا محوريًا في الربط بين المحاكم والشارع. بعد 2013، أغلق النظام الشارع، فانتقل الفعل المعارض إلى الفضاء الرقمي عبر البودكاست ويوتيوب.

 

لا يرى الحملاوي أن الإعلام يمكن أن يحل محل السياسة، لكنه يعتبره أداة اضطرارية في ظل إغلاق المجال العام. يشير أيضًا إلى دور الشباب، موضحًا أن الثورات تاريخيًا تقودها الأجيال الشابة، وأن جيل اليوم يتميز بمهارة رقمية عالية، تمنحه سرعة ومرونة، لكنها لا تعوّض الحاجة إلى التنظيم والعلاقات والتضحيات.

 

في ما يخص الذاكرة، يؤكد الحملاوي أن 25 يناير لم تختفِ من الوعي الجمعي. تختلف دلالاتها باختلاف الطبقات والخلفيات، لكن الثورة كسرت محرمات وغيرت لغة الناس حول الحقوق والسلطة. يلفت إلى أن عودة شعارات “عيش، حرية، عدالة اجتماعية” في احتجاجات 2023 تعكس ذاكرة حية تنتظر اللحظة المناسبة.

 

يختم الحملاوي بالتأكيد على أن الثورات لا تصنعها المعجزات، بل التراكم. تتكوّن عبر سنوات من المعارك الصغيرة، ثم تنفجر حين تصطدم الآمال المتزايدة بجدار الواقع. قد تبدو يناير مهزومة تنظيميًا، لكن الأسئلة التي طرحتها ما زالت بلا إجابة، وما زالت تنتظر.

 

https://english.noonpost.com/p/what-remains-of-egypts-january-revolution